محمد بن جرير الطبري
533
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله : " خميص " بالهزال والضرّ من الجوع ، ولكنه أراد وصفها بلطافة طيِّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها ، لأن ذلك مما يحمد من النساء . ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك ، قول أعشى بني ثعلبة : تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ . . . وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا ( 1 ) يعني بذلك : يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ . فمن هذا المعنى قوله : " في مخمصة " . * * * وكان بعض نحويي البصرة يقول : " المخمصة " ، المصدر من " خَمَصَه الجوع " . * * *
--> ( 1 ) ديوانه : 109 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 153 ، من إحدى قصائده التي قالها في خبر المنافرة بين علقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل ( الأغاني 15 : 50 ) ، وبعد البيت : يُراقِبْنَ مِنْ جُوعٍ خِلالَ مَخَافةٍ . . . نُجُومَ الشِّتَاء العَاتِمَاتِ الغوامِصَا " غرثى " ، جياع ، ويروى " جوعى " . ووصف النجوم بقوله : " العاتمات " أراد أنها تظلم من الغبرة التي في السماء ، وذلك في الجدب ( وهو الشتاء ) ، لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء ، فهن يلتمسن وقت خفائها . و " الغوامص " يعني : التي قل ضوءها من الغبرة . وقال شارح ديوانه : " يبتن جياعًا خائفات ينتظرن طلوع النجوم السحرية ، ليخرجن يطلبن شيئًا ، كيلا يعرفن " . وقوله : " خلال مخافة " من أحسن الكلام في هذا البيت .